#مقالات : تميم البرغوثي.. بين رثائيتين!

تميم البرغوثي.. بين رثائيتين! 

بقلم : اشريف محمد يحيى 


 

   بعد ارتفاع بساط "الترندية"، وبعيدا عن سياق الاستهداف الشخصي، وسياط النّبز الهجائي، وسهام التبخيس التعريضي.. هذه نقاط نقد وملاحظة، بدت لي وأنا أستمع إلى رثائية الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي المثيرة (التي ألقاها بمناسبة إحياء "أربعينية" المرشد الإيراني علي خامنـ.ـئي)!

   وسأتناول المرثاةَ من زاويتين: 

١- موقعها على خريطة "الرثاء التميمي"، من خلال مقارنة النص بنصّ من جنسه الفني (غرض الرثاء)، غيرِ منفصل عن جوه السياقي العام.

٢- التقريرية الجانحة، التي تخللت تضاعيف النص وسرت في فواصله..

**مباشرية التلقين وحرارة التوقيع**

  فأما نقطة الموقعية فإني أراها أقربَ للموضوعية وأدنى من المنهجية، ولا سيما إذا قامت على المقارنة بين نصّين للشاعر عينِه في الغرض نفسِه؛ إذ قد يُظلم الشاعر المُجيد حين يقارَن شعره بإنتاج شاعر آخرَ، أو يقارن بين نصّين من ديوانه هو في غرضين مختلفين!

 وللبرغوثي أسلوبه الأدبي الذاتي وتوقيعه الفني الخاص، الذي يخالف نمط القصيدة "التقليدية" بخروجه من دائرة تأبين الفرد إلى أفق تبريز الرمز، كما أنه يخرج على نظام الوحدة العضوية الحديث، باعتماد تمفصلية الأفكار، وفق فنية أسلوبية وتسلسل "سردي" يمسك بذهن "المتلقي" ويغمسه في دروس الحياة ورسائل السياسة!

  وهنا أستحضر نصه الذي رثى به القائد المشتبك أبا إبراهيم يحـ.ـيى السنـ.ـوار، الذي اغتاله الاحتلال الإسرائيـ.ـلي، مقابل نصه الأخير الذي رثى به مرشد الثورة الإسلامية في إيران علي خامنـ.ـئي، الذي اغتاله "العدو" الأميركي.

  وعندي أن أبرز -وأول- ما يستوقف -عند المقارنة- حرارة المطلع، وانسيابيته:

(ألا كم كريم عدّه الدهر مجرما 

فلمّا قضى صلى عليه وسلّما:

أبو القاسم المنفيّ من دار أهله

وموسى بن عمران وعيسى ابن مريما) عليهم السلام!

 وأين حرارة الانسياب والاسترسال والعفوية التي تمشّت في تضاعيف البيتين؛ من صدر الأول إلى عجُز الثاني ثم دبّت في سائر أبيات المرثاة.. أين هي من برودة فعل الأمر "تذكَّر"، التي تكاد تصل مستوى النثرية، مع ما فيها من واضح المباشرية وسافر "التلقينية"؟!:

تذكَّرْ إذا ما قِيلَ حَقٌّ وباطلُ:

خِتامُ النَّبيِّينَ النَّبيُّ المقاتِلُ (ﷺ)

 وكأنما استغلق على الشاعر الموهوب في ثاني النصّين ما انفسح له في أوّلهما! ولولا أن تداركته دفقة من إبداعه، لسرت برودة "النثرية" في سائر نصّه، الذي تنازعَته التقريرية العاطفية والسمو الفني؛ لتكون عبارة "النبي المقاتل" في الشطر الأخير من البيت "مناسَبة دلالية"، يستحضر بها المتلقي العلاقة بين "القتال" (في العهد النبوي)  و"المقاومة" (في العصر الحالي)، وبذلك تجاوز البرغوثي المباشرية التلقينية، وأحسن التمهيد للبيت الموالي الذي يقطر انزياحية وينبض جمالية:

رسالتُه يملى بحبرين متنها

فأسود مطبوع وأحمر سائل!

   وكم أبدع ابن مريد في بيتيه المجنّحين:

ولله آيات شيوخ إذا سروا

أضاءت لهم من نفسهن المشاعل

إذا أسندوا في منبر بندقية

فذلك شغل للمنية شاغل!

على أنه أثقل النص بالإشارات المذهبية والإحالات المرجعية، التي جنحت به -في بعض المواطن- إلى الإلغاز والطلسمة المخصوف عليهما من ورق العاطفية و"المظلومية"

**جنوح التقريرية**

 ولا ينال نقدي الغضَّ من شاعرية تميم ولا الطعن في قريحته، حاشَ للموضوعية، ولكن مظاهَرته بين "التقريرية" في السبك و"المذهبية" في المضمون، صنعت الفرق بين النصين (المرثيتين) في سائر أبياتهما، وهنا محلّ الانتقال إلى نقطة جنوح التقريرية، ولعل أول مظاهر ذلك الجنوح قلب الواقع المستند إلى مغالطة في التأسيس، وذلك في البيت الذي يقول فيه:

وأغلى من ابن المرء أبناء بنته

فهذا الشطر (الأول) مخالف لما استقر في الذاكرة العربية من الاحتفاء بنسب الأبوة (الأحفاد) على حساب نسب الأمومة (الأسباط)، مصداقا لقول الأول:

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا

بنوهن أبناء الرجال الأباعد!

 ومعلوم أن الإسلام قد رفع شأن المرأة وأعلى مقام البنت؛ مبطلا النظرة -والنمطية- الجاهلية، بل إن النبيﷺ  دحض مضمون البيت "الجاهلي" بقوله: «ابن أخت القوم منهم»، لكن ذلك لا يعني أن أبناء البنت أغلى من أبناء الابن بالضرورة!. ووجه "المغالطة" هنا أن عقب النبيﷺ منحصر في ذرية ابنته فاطمة رضي الله عنها، من أبناء السبطين الحسن والحسين ابني علي رضي الله عنهم، وإنما يسيغ استدلاله لو كان "أبناء بنت النبي أغلى من أبناء ابنه"!

وقد زاد دائرة المفارقة اتساعا أن الشاعر أسس الشطرَ الثاني على ذلك الحكم وبناه على تلك المغالطة:

وأغلى من ابن المرء أبناء بنته

وها هو أهداهم ففيم تجادلُ؟!

   وهو في الشطر الثاني ينتقل من التلميح الضمني إلى الإشارة المباشرة ليقدم المرثي امتدادا لمسار تضحية وخط "مظلومية" تاريخي، لم يلبث أن أضاف إليه "عمرا عمائميا" مقداره "ألف عام"، وفق ما جاء في الشطر الأخير، الذي جعله الشاعر نقطة نهاية المرثية: (فأكرم بها من لحية وعمامة 

لها ألف عام عن حماكم تناضل)

وهي إشارة تتنازعها السياسة والمذهبية، لتجعلها مفتوحة على قراءتين: 

1- امتداد ظل النبوة، وَفْق المنهج الشيعي، ويرشد إلى ذلك توظيف "العمامة المرجعية"، كما يفهم -أيضا- من أوائل أبيات النص، ومن عبارة "ألف عام"، التي لا تصدق -قطعا- على ثورة الخميـ.ـني (1978/ 1979م)!

2- تأثير إيران في المنطقة، الذي يراه المستبشرون حماية وتعزيزا للاستقرار الإقليمي، ويراه المستاؤون هيمنة وتهديدا لأمن المنطقة، ولعله قصد بلفظة "حِماكم" استعطاف شعوب المنطقة العربية (ولا سيما دول الخليج وجوارها القومي)!

وبالعودة إلى سردية "إهداء الأبناء" التي كررها الشاعر في بيتين متجاورين: "لأمته أهدى بنيه فدى.."، "وها هو أهداهم"، فقد غمس الشاعر هذين البيتين في "السردية المذهبية" غمسا أثّر على درجة الفنية الشعرية ومستوى الحرارة الأدبية، بشكل واضح!. وقد ختم أول البيتين بتبكيت "المجادل" المفترض: (وها هو أهداهم ففيم تجادِل؟!)، وكأنما ابتدع "المجادِل" هنا، واخترع المحاوَر في مطلع النص ليبعث من خلالهما رسالتي "المجادلَة" و"التذكير"، من خلال ضمير المخاطب المستتر، الذي جعله جسر عبور إلى ذهن المتلقي المستقبِل!.. ثم إنه شحن البيت بـ"الحمولات الطائفية" ووصل سلك رسالته بكهرباء السياسة، مستدرّا لدى المتلقي وازع الانحياز لمظلومية آل البيت، ومخاطبا في "الجمهور" عاطفةَ حبّهم المحفوظةَ لدى أسوياء الفطرة من أفراد الأمة الإسلامية، لكنه يأبى إلا أن يحمل معه مرآة "السردية الشيعية"، وذلك خطاب طغى على النص من مطلعه إلى مختتمه!

وهذا الخلط الواضح بين "الرثاء" و"الجدال" تمخض عنه جمع ظاهر بين الترميز المذهبي والموقف السياسي لم ينفكّ منه النص، ولم يزل يلاحق الشاعر على منصة التصنيف، منذ أدخل التعصب المذهبي على خط المقاومة والقضية، معتمدا "المقرر الطائفي"، الذي اتخذه "معجم" اقتباس ومستند مرجعية. وقد بدا ذلك مركّزا ومكثفا في ثانية المرثيتين (اللتين هما موضوع تناوُلي)! 

    *من فلسفة السياسة إلى الذهنية المذهبية* 

 وقد ذهب "جنوح الإبداع" بتميم البرغوثي إلى مسلك تعبيري هو أقرب للتلاعب اللفظي أو "الرياضة اللغوية" (في أحسن العبارتين)، وذلك في البيت الذي جعله كثير من النشطاء والمتفاعلين على مواقع التواصل الاجتماعي عنوان القصيدة الأبرز:

 ألم يبدأ التوحيد من قول: لا؟! 

       فقد نقل "لا" من معناها النحوي (النفي)، في كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله"، إلى سياقها السياسي (الرفض/ الثورة)، ووراء ذلك "التحوير" إشارة ضمنية إلى لازم توحيد الله، الذي يقابله ضده (وهو الشرك بالله)، وقد تناول الشاعر هذا المعنى تصريحا لا تلميحا في مرثيته للسنـ.ـوار، في سياق حديثه عن تاريخ الاستبداد القديم في غابر الدهور (طغيان فرعون والنمرود..)، متكلما عما سماه: "نفي ألوهة الملوك"، التي عدّها "من جوهر التوحيد"، كما أشار في البيت نفسه (من مرثية السـ.ـنوار) إلى "الشرك المقنّع"، مدخلا ثنائية الدين والسياسة على خط التعبير الشعري:

فمن جوهرِ التوحيد نفي ألوهة الـ

ــملوك؛ لذا ما زال دينا محرّما

‏ولم يؤمن الأملاك إلا تقية

وفي الملك "شرك" يتعب المتكلّما!

وقد وردت في ثاني البيتين لفظة "التقية"، وهي مصطلح من أشهر ألفاظ "المعجم الشيعي"، لكنها -هنا- لم تأت بمفهومها "المذهبي" رغم اتحاد المعنى اللغوي، كما أن أولى الرثائيتين خلت من الشحنة المذهبية والنزعة الطائفية، وما أعظم الفرق بين تكلف الربط الذي في بيت البرغوثي المتقدم (من مرثيته الثانية):

وأغلى من ابن المرء أبناء بنته

وبين حسن التعليل في مرثيته الأولى:

فلم يتلثّم كي يصون حياته

ولكن لزهد في الحياة تلثّما!.. 

ولْيُقس على ذلك تصوير مشهد اللقاء الملحمي الأخير -في مرثية السـ.ـنوار- ويا له من تصوير مثير خالٍ من الإبهام والتعمية!

والبرغوثي في القصيدتين يسير على نهجه "السردي" الرائق في برنامجه الإعلامي/الأدبي "مع تميم"، على أنه في مرثية السنـ.ـوار، حافظ على انسيابية "السرد" وتدفّقه، بأسلوب لم يقطع حبل الأفكار، ولم يخرج بها عن دائرة المتناولية والوضوح، رغم خوضه غمار "فلسفة السياسة"، حتى إذا رثى خامنـ.ـئي خرج من سلاسة التناوُل السياسي إلى الإغراب و"الإلغاز" وهو يخوض متاهة "الذهنية المذهبية"، التي انفرط بها عقد المتناولية عند تلك الإحالات البعيدة والإشارات المبهمة، ذات الخلفية الطائفية، التي زلت بألفاظه عن سواء الفنية، أو جنحَت بها عن جادة الانسيابية على الأقل!

  *آلية جذب وتقنية تأثير*

  ولتميم أسلوب خاص يمكن إدراجه تحت مصطلح "خطاب الجمهور"، يستعمله في شعره ونثره (قصائده المعجبة وبرنامجه السردي الشائق "مع تميم")، وربما دفعه ذلك الأسلوب الأخّاذ إلى استخدام "النثرية العروضية"، ومن أعراض تلك "النثرية" كلمة "تذكّر" التي صدّر بها مرثية خامنـ.ـئي، وكأنها مفتتح فقرة من حلقة إعلامية، لا مطلع قصيدة! وكذلك قوله: ويوم التنادي "قدرهم متعادِل" (ولي وقفة عند هذا الشطر حين أتحدث عن جزئية "التسوية" و"إلغاء السابقة")، وقوله: ألم يبدأ التوحيد "أصلا" بقول: لا؟!، وكذلك قوله:

وقد صدّق القولَ الرسولُ "بنفسه"

فأبناؤه آيُ الكتاب الأوائلُ!

    ولا يخفى ما في هذا البيت من مباشرية "التأثير على المتلقي"، على أنه قد جمع بين الشحنة المذهبية المتدثرة بـ"الإلغاز" (أبناؤه آي الكتاب الأوائل)، وبين بادي النثرية المستهلكة، التي تحملها كلمة "بنفسه"، وهي لفظة فيها من "العِلمية" ومن البرودة الشعرية والفتور الفني ما فيها، ولعل البرغوثي تخيرها عمدا -على ما فيها من "برودة" و"علمية"- مفضلا البساطة المؤثرة على الفصاحة الآسرة؛ لأن ذلك أقرب إلى خطاب الجذب العاطفي وأضمن للتأثير على وعي الجمهور، وعندي أنه أنشأ كلمة "بنفسه" ـ ابتداء - لتُسمع من فمه إلقاء؛ ولم يكتبها -أصلا- لتقرأ!. وليس هذا النص بِدعا في ذلك؛ فـ"الإلقاء التوقيعي" من شعر تميم البرغوثي بمنزلة "الصورة التي تخدم النص".  ويشفع لفهمي هذا سياق البيت؛ فالشاعر هنا كأنما يريد أن يحيل إلى كتاب أو يعزو إلى مرجع جاء فيه القول المنسوب للنبيﷺ، وقد كادت تلك "الإحالة" -المفهومة من البيت- تنتهي بالشاعر إلى الإغراق في "النظمية"!

  *تسوية المنزلة وإلغاء السابقة*

      وكما أعرض تميم عن التصريح باسم الفقيد في مرثية الـ.ـسنوار، حرص على التعبير عن المرثي علي خامنـ.ـئي بوصفه "رمزا"؛ لا بصفته "فردا"، ولم يصرّح باسمه إلا في شطر بيت دعت فيه إلى ذلك مناسبة التطابق الاسمي و"الشحنة الرمزية":

وكم من علي من علي أصوله..

  غير أنّ هِزة الحماسة حملَته على مجازفة التسوية، وتسوُّر محراب "الإخبار بالغيب" بعد انقطاع الوحي، وذلك في الشطر التالي:

ويوم التنادي قدرهم متعادل!

وإذا تجاوزنا قرب كلمة "التعادل" من المتناول -لكثرة استخدامها اليومي- لم يجز لنا أن نتجاوز جزئية مساواة علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمتأخري شجرة النسب الشريف، فذلك تقرير اعتباطي وحكم غير متبادر إلى الذهن. وليس يخفى ما في دعوى "التعادل" من "جموح العاطفة"، وهو جموح حمل الشاعر على مقارنة حزن موت خامنـ.ـئي بفجيعة الأمة في الحسين بن علي رضي الله عنهما! وهي "مقارنة" قريبة من التسوية التي عبر عنها الشاعر بـ"التعادل":

ولو حمّلوا حزن الحسين وجئتهم

بحزنك قالوا: هل لحزنك حامل؟!

ويكاد المتلقي يفهم من البيت أن الرزء في علي خامنـ.ـئي يربو على مصاب فقْد الحسين بن علي!

ولعل مساواة الفرع بالأصل فرع عن ثنائية "العصمة" و"النبوة"، فـ"ظِلّ النبوة" و"سرّ العمامة" ممتد بتسلسل شجرة النسب الشريف، مع انتفاء المزية وانعدام الفرق -حسب ما يفهم من نص المرثية- وبالمنطق نفسه يجوز انسحاب العصمة على الأئمة ومن انتظم في سلك "معصوميتهم" من "الآيات" وفْق المصطلح الشيعي، الذي جعل منه الشاعر "لازمة" أقرب للغز والأحجية، وذلك في مثل قوله: 

وآياتها أبناؤنا وبناتنا

ومصحفها أحبابنا والمنازل!

وهذا الانزياح الدلالي في كلمتي "الآية" و"المصحف" يقطع شعرة "المشترك العام" الذي طبع "لغة" الشاعر وأسلوبه في قصيدته التي رثى بها الـ.ـسنوار، ليجيء مخرج رثائيته الجديدة محمّلا بـ"الشحنة المذهبية"، التي تجعل المتلقي بين احتمالين:

 • أن يفتح معجم "المرجعية الفكرية" الذي استقى منه الشاعر إيماءاته؛ من أجل فهم الإشارات المبهمة، وفكّ الرموز الخفية!

* أو أن يُمِرّها على مراد الشاعر، ولا يشغل رأسه بدلالاتها الغامضة!

*محصّلة استنطاق*

   ومبلغ القول أن قصيدتي البرغوثي في رثاء القائد الـ.ـسنوار والمرشد علي خامنـ.ـئي قد كشفتا أنّ أسلوب الرثاء في ديوان البرغوثي قد انطبع بـ"بصمة تميمية" خاصة؛ تخرج بـ"المرثي" من ضيق الحيز الشخصي إلى سعة الفضاء الرمزي، غير أن خط التبويب و"معجم" التناول يختلف تبعا لدخول الباعث المذهبي والحافز الطائفي على خط الحضور، مع اتحاد تكثيف العاطفة وتركيزها في المشترَك الجامع، حين يتعلق الأمر بثلاثية: الاستشهاد، والمقاومة، و"القضية"، وقد بدا التمايز من مطلع المرثيتين؛ إذ استُفتحت أولاهما برصد المفارقة البشرية، واستنطاق التاريخ الإنساني، وبُدئت الثانية بتسجيل الموقف ومباشرية التقرير، مع نفَس "مذهبية" جانح؛ بلغ بصاحبه درجة "التموقع الطائفي" الضيق، مما يجعل متفحّص "غرَض" القصيدة يستفهم مشدوها: هل الشاعر -في نصه الأخير- "يرثي" فقيده -كما في مرثية السـ.ـنوار،- أم "يجادل عنه" -كما يفهم من مقاطعَ متعددة في مرثاة خامنـ.ـئي - ولا سيما البيت الأخير؟!