#مقالات : طرح الامتحانات.. الإشكال الغائب عن دائرة التشخيص والمعالجة

#مقالات : طرح الامتحانات.. الإشكال الغائب عن دائرة التشخيص والمعالجة

بقلم : امحمد محمود خوي/ أستاذ اللغة الفرنسية بثانوية كرو 1.

مع تقدم الفصل الثالث والأخير من السنة الدراسية واقتراب الامتحانات التي يفترض أنها معبر من سنة أو من مرحلة إلى التي تليها، ينصبُّ اهتمام السيدة الوزيرة Houda Mint Babah ومساعديها المحترمين وجمهور المدرسين والمهتمين بالعملية التربوية إلى إشكالات الرقابة والتصحيح، حيث أعلنت معاليها عن خطة للتصدي للغش وتضييق الخناق عليه، وفي السنة السابقة أعلنت عن مسار آخر يستهدف الحد من الفروق في التصحيح من أجل ضمان نزاهته.

ويفتأ سادتُنا الأساتذة يتحدثون عن هذين الإشكالين ويقترحون لهما الحلول، حماية لمجهوداتهم لصالح تلاميذهم، فالرقابة ليست معركة مصداقية وحسب، بل هي الأداة التي بغيابها يختلط الشحم بالورم، والغث بالسمين، فيغيب المتميز حقا في المتشبعين بما لم يوهبوه إلا بواسطة عارضة إن أحسنوا النقل منها.

ويفتؤون يتحدثون عن التصحيح خشية على معلومات تلامذتهم أن تذهب في مهب مزاج عابر، أو تفريط بتولية الأمانة غير أمين: ولئن كان هذا الصنف نادرا -من باب أحسن الظنون-، فإن مجرد تصوره يؤسس لهواجس كبيرة، لدى الأستاذ والتلميذ و ولي أمره.

غير أن ما يهمني أكثر من موقعي مدرسا، وأرى أن هذه الكوكبة من المعنيين من مختلف مواقعهم تهمله، هو طرح الامتحانات، فألمس فيه فوضوية لا تخفى على نَبِهٍ ولا أراها تجد من المداد والحبر، ولا من الأصوات والحناجر ما تستحق.

إن الطرح الحالي يخلو من المنطق ويتضح ذلك أكثر كلما قربنا الصورة، حيث كلما ابتعدت عن الجمهور زاد الفتق على الراتق واتسع.

لن أتحدث عن المواد التي لا أدرس إلا من باب المقارنة عندما تتعرض للقافية -كما يقال-.

في امتحان شهادة ختم الدروس الإعدادية 2025، كانت أسئلة مادتي اللغة العربية والفرنسية عموما متقاربتين في المستوى وتوزيع النقاط، خُمُسَانِ لقواعد اللغة، والبقية يتناصفها الفهم والإنشاء. 

الأمر إلى هذا الحد منطقي إذا استبعدنا البعد الثقافي العربي الإسلامي للبلد الذي يقتضي -نظريا على الأقل- أن اللغة العربية أسهل كثيرا وسقف الإتقان المنتظر من التلميذ لها أكبر، وأن اللغة الفرنسية لغة وافدة.

أين الإشكال في الطرح إذًا؟

قلنا إن سؤال التعبير في اللغتين كان بنفس التنقيط (06 درجات من أصل 20)، وعند النظر في المطلوب في السؤال نفسه كما وكيفا وموضوعا يلوح رأس كرة الجليد:

- في اللغة العربية طلب من التلاميذ الكتابة عن الانتقال من عبادة الأوثان إلى التوحيد من خلال التوسع في فكرة حول هذا الموضوع الذي هو دينهم وثقافتهم ويكفي أن يكون لك مستوى يسير في أي جانب من جوانب مادة التربية الإسلامية (القرآن أو الحديث أو السيرة أو العقيدة أو حتى الأخلاق) لتؤلف مجلدا عن الموضوع. ترى هل طلبوا منهم إعداد صفحة؟ كَلَّا، فقط سبعةُ أسطر لا أزيَدَ، وكأن الإنشاء مطلوب من تلميذ في الرابع الابتدائي. 

لننسَ الأمر ففيه مراعاة لضعف المستويات الذي هو هم من الهموم الشاغلة للمنظومة القائمة على شؤون التعليم.

- في اللغة الفرنسية طلبوا الكتابة عن مهنة المزارع، وأفق الموضوع متصل بموضوعات متخصصة للغاية تتعلق بالأمن الغذائي والتنمية المستدامة وهي مفاهيم لا يفقه عنها كثير من الكبار، ناهيك عن تلاميذ تكاد تخلو منها مقرراتهم. ولأننا نراعي تدني المستويات وطلبنا في اللغة العربية سبعة أسطر فقط للحديث عن جزء من تسمية الجمهورية "الإسلامية"، لا بد من مراعاة أن الموضوع في اللغة الفرنسية متخصص، وأن اللغة أجنبية، وأن المستويات فيها أردأ بكثير منها في اللغة العربية، لذا سنطلب من التلاميذ فقط -رفقا بهم- ثلاثةَ أضعاف ما طلبنا منهم في اللغة العربية؛ أي منطق هذا؟!

يتكرر الأمر نفسه في باكلوريا الأدب، فهناك أيضا عَرَجٌ منطقي من نفس الصنف والفئة، فعطفا على التسوية بين اللغتين في عدد النقاط (120 درجة لكل لغة: أي 20×06)، فإن نوعية الأسئلة وطبيعة توزيع النقاط غاية في الفوضوية والعشوائية، فلئن كان إشكال الطرح في ختم الإعدادية كارثيا فهو هنا مأساوي.

في اللغة العربية يتيح ثمانيَ نقاط لقواعد اللغة، وهي التي يدرسونها منذ المرحلة الابتدائية مما يعني إتاحة فرصة لتعويض الثغرات في التناول الأدبي للنصوص الذي يحدد له الطرح الحالي اثنتي عشرة درجة.

في اللغة الفرنسية لم يطرح أي سؤال متعلق بقواعد اللغة منذ سنة 2013! هناك فقط سؤالان يقدمان صورة عن كسل لا حدود له لدى واضعي الامتحان، يعكس الركون إلى الأسهل، فلا يزيدون على نسخ نص من مصدر ما، ثم يطلبون تلخيصه على ¼ من طوله، ثم يستنسخون منه مقتطفا ويطلبون التعليق عليه. مع إتاحة بديل أسوأ من الأصل وهو نقاش مقولة أيضا لا فرق كبيرا بينها وبين التي قبلها. 

والكارثة هي التعقد وفتل قيود الوهم للتشديد على تلامذة مكبلين أصلا بالسوء في توصيل المعلومة إليهم وفي انتقائها، وضعف مستوياتهم في اللغة عامل كبير في ذلك، وإحباط الأستاذ أحيانا وإهماله أحايين أخرى عامل أكبر.

وحتى لو افترضنا انتفاء كل مردات هذه الكارثة في الفقرة الآنفة، فإن الطرح الكسول هذا، لا ينسجم والنموذج المقدم من طرف واضعي البرنامج على أنه المخصص للمستوى السابع الأدبي، ففيه على الأقل من الفرص أربعة أضعاف ما في الطرح المتكاسل؛ في المتكاسل ثلاث فرص: التلخيص (الفرصة 01) والمناقشة (الفرصة 02) أو المقالة الأدبية (الفرصة 03).

أما الطرح المفترض -المقدم في البرنامج نموذجا لامتحانات السوابع ففيه اثنتا عشرة فرصة: خمسة من أسئلة الفهم تتطلب الإجابة بالتأكيد أو النفي مع التعليل (05 فرص)؛ وخمسة أخرى من أسئلة الفهم والتحليل (05 فرص)، وتلخيص للنص (الفرصة 11) أو مقال (الفرصة 12).

لقد جربت مع تلامذتي الطرحين، فوجدت -رغم أن المستويات ليست على ما يرام- أن البون شاسع، فالأمثل -في الطرح المتكاسل- من يجتاز عتبة الإقصاء 05 درجات باستحقاق، ولا يتوقف دونها في الطرح الطبيعي (المقرر) إلا من يستحق، وفي الأخير تقويم يعكس مستوى التلاميذ ويتناسب مع تقويمهم في بقية المواد؛ صحيح أن إعداده متعب ويأخذ وقتا كثيرا مقارنة بالطرح الكسول الذي لا يقوم إلا المنظومة التربوية مجليا ترهلها وعشوائيتها وأن الضعف فيها والكسل لا يقتصر على المستهدَف بالعملية التربوية، بل المستهدِف أيضا.

إننا نتطلع من كل من يقرأ هذا المقال ممن له اهتمام بالتعليم أن يعمل معنا من أجل جعل طرح الامتحانات عقلانيا يدل على أن مصدره مشكاة وناموس واحد، لا خبط عشواء تنطلق من كسلاء يخشون في أمانتهم وعهدهم ألف لومة -لو انتبهنا- وألف لائم.

#قناة_المرابطون 

#التعليم