جوماي سونكو...مراكز التأثير ودوائر القبول داخليا وخارجيا

بقلم: سيدي عبد المالك // باحث مختص في الشؤون الإفريقية 

في ظل تفكك التحالف القائم بين الرئيس بشير جوماي فاي ووزيره الأول المُقال عثمان سونكو، بات يطرح بشكل قوي رهانات الرجلين على الحفاظ على نقاط القوة الخاصة بكل واحد منها، بعدما كانا يستمدان هذه القوة من مسارب شتى بما يعزز الرصيد المشترك للشراكة بل الزمالة السياسية التي جمعتهما.
مما لا شك فيه أن الوزير الأول أن عثمان سونكو يعتبر اليوم هو زعيم الأغلبية السياسية، اذ يستأثر حزبه "باستيف" بأغلبية مريحة داخل البرلمان، لكن هذه الشرعية السياسية تقابلها شرعية دستورية ومؤسسية أخرى يتمتع بها الرئيس جوماي فاي، ألا وهي شرعية "الرئيس المنتخب" في بلد من أفضل البلدان الإفريقية تجربة تعددية ديمقراطية مما يعنى أننا أمام شرعية صلبة.
وفي مقابل هاتين الشرعيتين، ثمة مراكز تأثير وقوى نفوذ أخرى تشكل رافعات دفع للطرفين المتنازعين على السلطة والحكم، سنرصد في هذا التقرير، أدوات تأثير الرجلين داخليا، والقوى الإقليمية والدولية اللتين يعتمدان عليها:
على المستوى الداخلي: 
• نجح الرئيس جوماي فاي أن يُبعد مركز الرئاسة عن الاستقطاب السياسي مع القوى المعارضة، وقوى الأغلبية الداعمة له من خارج حزب "باستيف"، وبفضل هذه السياسية تمكن الرئيس من بناء علاقات قائمة على الاحترام مع الطيف السياسي. في المقابل، تبنى سونكو نهجا صداما مع القوي السياسية، بما فيها معظم، التي كانت معه في خندق سياسي واحد لوقت قريب. ينطلق الرئيس من قناعة أن تدبير السلطة في السنغال يحتاج مشاركة الجميع، في حين يعتبر سونكو وانصاره أن خيارات الشعب يجب ترجمتها في أدوات الحكم وتصوراته.
•  مركز الرئاسة في السنغال يحظى بقوة دستورية وتنفيذية، الأمر الذي يمكن الرئيس من بسط اليد على المؤسسات الصلبة في الدولة كالجيش والقضاء والإدارة الإقليمية، بعض هذه المؤسسات ظلت محل انتقاد من رئيس الوزراء عثمان سونكو، وبالأخص الجهاز القضائي الذي ظل ينتقد "فساده"، حتى اليوم قبل الأخير من إعفائه من منصبه، رغم أن وزيرة العدل ياسين فال محسوبة على جناحه السياسي. منهجية اصلاح منظومة كانت من النقاط الخلاف الرئيسية بين سونكو وجوماي فاي، فالأول يعتبر أن الإصلاح يتطلب "بترا عاجلا" لمكامن الخلل، في حين يعتبر الرئيس أن الإصلاح يتطلب جهدا تراكميا.
• مجتمعيا، يحظى سونكو بقبول الشباب، كما كان الكثير من السنغاليين يعلقون عليه الأمل في الحفاظ على الشراكة لتحقيق أحلام التغيير، لحد الساعة، يمكن الجزم أن الشريحة الشبابية الداعمة لسونكو لاتزال على نفس الحماس، غير أن ثمة طيف آخر من الداعمين له باتوا يتوجسون من أهليته لقيادة السلطة إذ يحملونه مسؤولية الخلافات مع جوماي فاي. على مستوى البيوت الصوفية، يُقال بإن سونكو لديه علاقات وثيقة مع الطريقة المريدية، في حين تحتفظ الرئيس جوماي بدعم الطريقة التيجانية في تييواون. أما على مستوى تيار الصحوة الإسلامية فالواضح أنه أقرب لسونكو، الذي يرى فيه البعض ثمرة من ثمرات حصاد الصحوة في السنغال.
على المستوى الخارجي:
• إقليميا: يتماهى سونكو مع خطابات تيارات الشبابية الجديدة في غرب افريقيا المناهضة للإمبريالية، إلا أنه أخفق في بناء علاقات مع قادة دول الساحل، رغم أنه بذل بعض المساعي في ذلك. ثم إن علاقته بالمغرب، التي تعتبر حليفا تقليديا للسنغال ليست على ما يرام، وقد يُفهم سياق العفو الملكي عن مشجعين سنغاليين للمنتخب السنغالي في اليوم الموالي لإقالة سونكو كرسالة لتعزيز مركز الرئيس جوماي فاي في ظل خلافه مع سونكو.
• دوليا: من الملاحظ ضعف تأثير العلاقات السنغالية على المستوى الدولي منذ وصول القادة الجدد الى السلطة، وقد يكون مرد ذلك توجس القوى الدولية من توجهات الحكام الجدد للسنغال:
1- فرنسا: تبدو أقرب الى الرئيس جوماي فاي، الذي زارها قبل فترة، أما سونكو فتعتبر قائد حراك "التحريض" ضد فرنسا ومصالحها في السنغال.
2- الولايات المتحدة الأمريكية: الموقف الأمريكي يبدو أيضا أقرب للرئيس جوماي فاي، ففي قمة الدول الافريقية الساحلية التي عقدها رؤساء بعض الدول الافريقية المطلة على المحيط الأطلسي عبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اعجابه بالرئيس فاي، في الوقت الذي كان سونكو يقود معركة المعاملة بالمثل بعد اتخاذ واشنطن إجراءات لمنع التأشيرة عن السنغاليين.
3- الصين: زار سونكو قبل حوالي سنة الصين، في زيارة كانت ذات زخم كبير، ورأى مراقبون ساعتها أن هذه الزيارة تشكل حدثا مفصليا في علاقات الشراكة الاستراتيجية للسنغال.
• خليجيا: لدول الخليج تأثير كبير على الاستثمارات والاقتصاد السنغالي، لذا فإن هذا التأثير يمتد الى دوائر صنع القرار السنغالي، وسنكتفي هنا بالتركيز على الإمارات، حيث زارها في سبتمبر من العام الماضي عثمان سونكو بحثا عن التمويلات، ومن الواضح أن زيارته لم تؤتي أكلها، وقد صرح في لقاء مع الجالية السنغالية في دبي بتصريحات قال فيها "إنه لم يزر الإمارات من أجل التسول أو مد اليد للعون، أو لطلب التبرعات أو المساعدات، وأنه لا يمكن لأي قوة أن تفرض على السنغال أي شيء". ليزور الرئيس فاي لاحقا الإمارات، رجحت مصادر محلية ساعتها أنه حصل على بعض المساعدات المالية.