تضخيم الأرقام وهندسة الإقناع بأداء وفاعلية مصطنعة

بقلم : محمد الحافظ الغابد
يبدو  خلال قراءة متأنية لبنود البرنامج الحكومي أن ثمة فجوة كبيرة بين الطموحات المعلنة والإمكانيات الفعلية. فالحكومة تقدم أرقاماً ضخمة (2000 كلم من الطرق، 400 قرية مكهربة، 3000 حجرة دراسية...) دون تقديم إطار زمني واقعي أو آلية تمويلية شفافة.

التناقضات البارزة:

1. تضخيم النمو الاقتصادي: تقدير نمو بـ5.6% لعام 2026-2027 يتناقض مع:
  · الاعتراف ضمنياً بمشاكل هيكلية لم تحل.
  - عدم وجود إستراتيجية واضحة لتنويع الاقتصاد خارج قطاع المعادن.
 - التحديات الأمنية والإقليمية التي تؤثر على الاستثمار.
2. المفارقة التمويلية: كيف تحقق الحكومة زيادة 10% في الميزانية مع:
  · خفض العجز إلى 0.7% فقط؟
  · تخفيض نسبة الدين إلى 43.3%؟
  · هذه المعادلة تحتاج إلى معجزة اقتصادية لم توضح آلياتها:

- التلاعب الإحصائي كأداة سياسية

يستخدم التقرير أسلوباً إحصائياً مضللاً:

1. خلط المشاريع:

· دمج مشاريع "سينتهي العمل فيها" مع أخرى "ستنطلق دراساتها"
· تقديم أرقام إجمالية مخادعة (مثل 2000 كلم طرق) دون تفريق بين:
 · مشاريع قيد التنفيذ فعلياً.
 · مشاريع قيد الدراسة.
 · مشاريع طموحة لا تمويل لها.

2. نسبة النجاح المزعومة:

· استخدام مصطلحات مثل "يناهز"، "أكثر من"، "ما يزيد على" لخلق انطباع بالإنجاز
· عدم تقديم مؤشرات أداء قابلة للقياس والتحقق.

3. خطاب "الإنجاز الافتراضي":

· تقديم المشاريع كما لو كانت قد أنجزت ("ستكون"، "سوف"، "سيتم")
· استخدام صيغة المستقبل لخلق واقع بديل في أذهان المواطنين.

توصيات للفاعلين الشبابيين ومنظمات المجتمع المدني:

1. بناء القدرات الرقابية:

· تشكيل مراصد مستقلة: لمراقبة تنفيذ المشاريع المعلنة
· تطوير أدوات رقمية: لتعقب الميزانيات والإنفاق العام.
- إعداد مؤشرات أداء بديلة: قابلة للقياس والتحقق

2. حملات الضغط والمناصرة:

· مطالبة بنشر الدراسات الفنية: للمشاريع المعلنة
· طلب جداول زمنية واقعية: مع مؤشرات مرحلية
· المطالبة بآليات مساءلة: عن عدم تنفيذ الوعود

3. التوعية الإعلامية البديلة:

· إنتاج محتوى تحليلي: يكشف الفجوة بين الخطاب والواقع
· توثيق حالات دراسية: لمشاريع فاشلة أو متعثرة سابقاً
· استخدام خرائط تفاعلية: لتتبع تنفيذ المشاريع في كل ولاية.

4. التحالفات الاستراتيجية:

· التنسيق مع النواب: للمطالبة بجلسات مساءلة وزارية
· شراكات مع الإعلام المستقل: لنشر التقارير التحليلية.
· تعاون مع المؤسسات الأكاديمية: لإعداد دراسات مضادة.

5. أدوات المتابعة الميدانية:

· تشكيل فرق تطوعية: لرصد وتوثيق تقدم المشاريع
- تطبيق منهجية "المواطن الرقيب": بتدريب الشباب على آليات الرقابة
- إنشاء منصات للإبلاغ: عن المشاريع المتعثرة أو غير المطابقة للمواصفات

نحو رقابة مجتمعية فاعلة:

للتغلب على خطاب الأرقام المبالغ فيها، يجب:

1. المطالبة ببيانات قابلة للتحقق: بدلاً من النسب المئوية العامة
2. طلب تفاصيل التمويل: مصادر الأموال وجدول الصرف.
3. إصدار تقارير دورية نصف سنوية: عن تقدم التنفيذ.
4. إنشاء آلية شكاوى: للمتضررين من سوء التنفيذ 
5. تنظيم زيارات ميدانية مشتركة: مع ممثلي المجتمع المدني.

خاتمة: من خطاب الأرقام إلى ثقافة المساءلة

الخطاب الحكومي الحالي يمثل نموذجاً كلاسيكياً لـ"اقتصاد الوعود" حيث تُستخدم الأرقام الضخمة كبديل عن التخطيط الاستراتيجي الحقيقي. المواطنون ليسوا بحاجة إلى قوائم مشاريع طموحة بقدر حاجتهم إلى:

- شفافية في التنفيذ
- مساءلة حقيقية للمسؤولين
- مشاركة فعلية في صنع القرار
- نتائج ملموسة في حياتهم اليومية

المقاومة الأنجح لهذا النموذج ليست بالرفض المطلق، بل بتحويل الثقافة الانتظارية المطلبية إلى آليات رقابية مؤسسية تضمن أن تكون السياسات العامة في خدمة الصالح العام وليس هندسة القبول السياسي.