استدامة الشركة الموريتانية لمنتجات الألبان أين وصلنا؟

بقلم: المختار گاگيه ابييت

يبدو لي مهما من حين لآخر كتابة تحديث للرأي العام حول مسار العمل على استدامة الشركة الموريتانية لمنتجات الألبان، لوضع هذا المشروع الاستراتيجي في سياقه الصحيح وشرح مستوى تقدم العمل فيه، تلبية للطموح المعقود عليه من طرف الحكومة والسواد الأعظم من الشعب.
وأكتفي في ذلك بالقدر من التفصيل الذين يطمئن المنصفين من القراء.

وإنما نقيم ذلك في ضوء الأهداف الكثيرة المتعاضدة التي أنشأت الدولة المشروع من أجلها، ومنها: بناء قاطرة لتحويل الألبان وتسويقها، مما يسهم في تنظيم وتطوير الحوض اللبني في منطقة الحوضين؛ وزيادة دخل المنمين منتجي الألبان وربطهم بالدورة الاقتصادية؛ وتقديم النموذج للقطاع الخاص ليحذو حذوه؛ والإسهام في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمنطقة المشروع وفي مقدمة ذلك توفير فرص تشغيل دائمة؛ والإسهام في بناء الإنتاج المحلي من الألبان في أفق تحقيق الاكتفاء الذاتي منها ورفع مستوى الأمن الغذائي العام في الدولة؛ …. الخ.

ولا نقيم المشروع في ضوء نظرات أخرى تضيق ذرعا بالنفس الذي تعطيه الدولة للمشروع.
فبعضها يرى أن تتخلى الدولة عن المشروع كليا بوصفها قد جربت مقاربات وأشخاصا مختلفين ولم توصل المشروع إلى مستوى مؤسسة ربحية على غرار مؤسسات القطاع الخاص. ولا يستحضر أصحاب هذه النظرة أن المؤسسة يمكنها سريعا أن تتحول إلى مؤسسة رابحة ماليا إذا لم تربط نفسها بوصاية وزارة التنمية الحيوانية وبهم تطوير إنتاج الحليب الطازج، وانتقلت بدلا من ذلك إلى تصنيع الحليب طويل المدة خالصا من بودرة الحليب المستوردة ووجهته للسوق الداخلي وللتصدير إلى غرب إفريقيا. لكنها حينئذ تكون فشلت في مهمتها التنموية والاقتصادية والاجتماعية كقاطرة لتطوير شعبة الألبان في شرق البلاد.
ويرى البعض الآخر أن تسعى الدولة فورا لخوصصة الشركة، وترك القطاع الخاص "يقوم بالمطلوب"، وما الذي سيقوم به القطاع الخاص، في المرحلة الحالية التي تتطلب تضحية، سوى ما ذكرنا من انتقاله إلى التصنيع انطلاقا من بودرة الحليب المستوردة؟
كما قد يتبادر إلى ذهن بعض القراء من ذوي الخلفية العامة أن نصنع بودرة الحليب نفسها، وهو خيار غير وارد إلا في اعتبار غير المختصين.

ولا شك أن الأصل في مخطط أعمال المشروع أن يستهدف الوصول في أقرب أفق ممكن إلى عتبة المردودية المالية؛ ليمكن في مرحلة أولى الاستغناء عن الدعم الحكومي، وفي مرحلة ثانية إدخال القطاع الخاص في المشروع؛ لما لذلك من إيجابيات معروفة في تيسير التسيير  وعقلنته وضبط الحكامة.
إلا أن مثل هذه المشاريع التنموية الاستراتيجية لا تبنى أصلا على أساس مردوديتها المالية بقدر ما تؤسس من أجل مردوديتها الاقتصادية، والمهم فيها أن يكون الدعم الموجه إليها مبررا بكفاية الأثر الاقتصادي والاجتماعي الذي يؤمنه.

وقبل أن نحدث القارئ عن المرحلة التي وصلت إليها الدولة في تأمين استدامة هذا المشروع، يبدو لي مفيدا أن نذكره بمحطات مهمة مر بها المشروع في تاريخه:
- بدأت أشغال مصنع الألبان بالنعمة سنة 2013 تقريبا، وأنشئت الشركة سنة 2016، كل ذلك قبل أن يكون للدولة قانون للشراكة بين القطاع العام والخاص سنة 2017، ولعله لو كان انتظر به حتى ينشأ كشراكة بين القطاعين العام والخاص؛ لكانت أموره أسهل.
- عملت الدولة منذ سنة 2019 على دراسة الخيارات المتاحة لإعادة تأسيس المشروع على نحو يؤمن الأهداف المتوخاة منه؛ فدرست خيار خوصصته، وخيار تأمين استمراره باستثمار الدولة أكثر في تطوير إنتاج الألبان في مزراع (تبعا لمخرجات دراسة المكتب الدولي Ernest and Young).
- وجاءت أزمة كورونا فجأة سنة 2020، ليواجه المصنع مشكلة عدم قدوم الشركات المصنعة لخط إنتاجه من الحليب طويل المدة لإجراء الصيانة الشاملة المطلوبة، وليتوقف المصنع في ظل توارد وتكثف المشاكل الفنية والمالية أواخر سنة 2021، وليظل مغلقا طيلة سنة 2022، ثم يتقرر بداية سنة 2023 تقليص عدد عماله إلى 41 بدل 200 في انتظار النظر في الخيار المناسب لإعادة تشغيله.

أين وصلنا إذا؟
——————
في ظل الوعد الذي قدمه فخامة رئيس الجمهورية لساكنة المنطقة باستمرار المشروع في تأمين أدواره التنموية، تقدمت وزارة التنمية الحيوانيّة في مجلس الوزراء المنعقد بالنعمة بداية مارس 2023 ببيان يتضمن خطة إنقاذ للمشروع من شقين: تأهيل الشركة والمصنع؛ وتطوير الحوض اللبني الممون للمصنع، وهي خطة استلهمت جزءا مهما من مخرجات دراسة Ernest and Young آنفة الذكر.

وقد عملت وزارة التنمية الحيوانيّة منذ ذلك اليوم على إدراج بند خاص في ميزانيتها للتكفل بالنفقات الثابتة للشركة لتأمين استمرارها إداريا.

وكلف المدير العام المعين في نفس السياق، في ظل ثقة ودعم قويين أكدتهما له الحكومة، بالعمل على تنفيذ خطة الإنقاذ المطلوبة.

وشملت محاور العمل التي عمل عليها المدير العام مع مجلس إدارة المؤسسة: تسديد مخصصات جميع الدائنين الخصوصيين من عمال وموردين، وإرساء بناء مؤسسي (نظامين أساسي وداخلي للأشخاص، وهيكلة مع توصيفات الوظائف، …)، واكتتاب مكتب ذي خبرة دولية لإعداد دراسة تقييمية للاحتياجات الفنية والمالية لإعادة تأهيل المصنع على نحو مستدام.
وقد انتهت الدراسة المطلوبة في مارس 2024، وقدمت نتائجها للجنة الوزارية حول الشركة التي وافقت على ميزانية الاستثمار التي تضمنتها.

وفي نهاية شهر يوليو 2024، وصلت حساب الشركة الدفعة الأولى من ميزانية الاستثمار المخصصة لإعادة تشغيل مصنع الشركة، لحين البت في مصدر تمويل الدفعة الثانية الموجهة لضمان استدامة الإنتاج.
وهذه الدفعة الأولى هي التي مكنت من إعادة تشغيل مصنع الشركة في مرحلتين: خط إنتاج الحليب قصير المدة في يناير 2025، وخط الحليب طويل المدة في يوليو 2025.

ورغم توفر الاحتياجات المالية لإعادة تشغيل مصنع الشركة، وشهادة للتاريخ أكررها باستمرار، فإن العراقيل كانت من القوة والتعدد بحيث لم يذللها إلا الدعم المستمر لتقدم المشروع من طرف فخامة رئيس الجمهورية كما كانت تجسده المتابعة اليومية والتسهيلات السريعة من طرف معالي الوزير الأول.
يضاف إلى ذلك جهد استثنائي للمدير العام للشركة لا نغفل عنه من باب الأمانة.

وفي ضوء خطة الإنقاذ الأصلية للشركة التي تبنتها الحكومة، يمكننا القول أن مسار تأمين استدامة الشركة الموريتانية لمنتجات الألبان وصل إلى مرحلة إكمال تأهيل الشركة وتأمين إعادة تشغيل المصنع، وأن استكمال متطلبات استدامة المشروع ما زال متواصلا من خلال العمل على المحاور التالية:

أ) محور الاستدامة المتعلق بالتموين بالحليب الطازج:
هو موضوع شراكة استيراتيحية وحوار مستمر بين الشركة ومنتجي الألبان الممثلين بمكتب يضم مختلف الطيف المهني.
وتعمل الشركة على توجيه المنمين الممونين نحو تحسين جودة الحليب المورد لاحترام حدودها الدنيا المطلوبة، وما زالت منذ إعادة تشغيل المصنع وإلى اليوم تركز على تصنيع منتجات خالصة من الحليب الطازج (حليب الحوض المبستر، لبن انگادي الرائب، وحليب انگادي طويل المدة).
وتأمل الشركة أن يظل الحليب المورد المخصص لتصنيع الحليب طويل المدة ذا جودة كافية لا يحتاج معها لإضافة بودرة الحليب وذلك من أجل توجيهه لتصنيع منتج انگادي، بدل أن يُضطر إلى إضافة بودرة الحليب إليه لتثبيته وتصنيع منتج البهجة.
وضمن هذا المحور، تعمل وزارة التنمية الحيوانيّة، في إطار مسؤوليتها العامة عن تطوير الحوض اللبني بالحوض الشرقي وخطتها الخاصة 30/30 (أي بلوغ إنتاج المصنع ل 30 طن يوميا في 30 شهرا مع الاعتماد على الحليب الطازج كخيار رئيسي واستيراتيجي)، على تصميم حزمة من جهود الدعم الموجهة إلى مموني المصنع لتيسير انتظام التموين طيلة السنة.
وقد وقعت الوزارة مذكرات تفاهم مع دفعة أولى تتضمن 25 مستفيدا، على أن يجرى جرد وتقييم عام لمموني المصنع بعد البداية الفعلية لفصل الخريف لتحيين لائحة المستفيدين لسنة 2025.
وسيتضمن برنامج الدعم لسنة 2025: الدعم بحظائر تربية، وزراعة الأعلاف عند توافر الشروط اللازمة لها بالتعاون مع وزارة الزراعة والسيادة الغذائية.
كما يتضمن التعاون مع وزارة الزراعة والسيادة الغذائية الدعم في زراعة الأعلاف لباقي مموني المصنع ممن يتوفرون على الماء الكافي والسياج، في حدود سقف إجمالي هو 80 مستفيدا.

ب) محور الاستدامة المتعلق بالتسويق:
من أجل استدامة نشاط الشركة ككل، لا بد من انتظام منتجاتها في السوق ومسايرتها للطلب باستمرار.
وقد نجحت الجهود التي بذلها المديرون العامون للشركة في بناء سمعة جيدة لمنتجات الشركة، وصارت علامتها التجارية انگادي معروفة على نطاق واسع، حتى سميت الشركة كلها "شركة انگادي"، وهو مكتسب تسويقي بالغ الأهمية للبناء عليه.
واليوم يعاد إطلاق اسم انگادي بميزة تنافسية فريدة في السوق وهي كونه المنتج الوحيد من الحليب طويل المدة، المنتج محليا، 100% من الحليب الطازج؛ بينما يطلق اسم البهجة (البهگة) على منتج الشركة التجاري الذي تضاف فيه بودرة الحليب إلى الحليب الطازج لتثبيته ورفع مدة صلاحيته إلى ستة أشهر.
وللحفاظ على كل تلك المكاسب التسويقية يجب أن تظل منتجات الشركة متوفرة فيما بعد فصل الخريف الحالي بنفس توفرها في فصل الخريف، وإلا كان من الصعب بناء ثقة مستمرة بتلك المنتجات لدى الموزعين والمستهلكين.

ج) محور الاستدامة المتعلق بمستوى احترافية البيئة الداخلية للشركة:
يتعلق الأمر برفع تحدي تفعيل المسؤوليات الوظيفية الرسمية داخل الشركة بشكل حاسم.
ذلك أن النشاط الصناعي يستلزم الانضباط التام والتنظيم الدقيق والعمل كفريق متكامل ومتعاون ومتآزر.
ومن أجل ذلك لا مناص من اضطلاع كل مدير قطاعي بالمهام التي كلف بها كاملة غير منقوصة باستقلالية تامة في التفاصيل اليومية عن المدير العام الذي لديه من المهام التنسيقية نحو الخارج والداخل ما ينبغي أن لا يشغل عنه باختصاصات المديرين القطاعيين.
ومحل العناية بهذ الأمر هنا هو واقع الشركة التي لم تكن المسؤوليات فيها منذ نشأتها محددة في توصيفات وظيفية رسمية ولم تكن ثمت علاوات مسؤولية، وتعتمد على فريق شاب بدأ معظم أفراده مسار تقلد المسؤوليات الإدارية من خلال العمل في الشركة، وكون التنظيم الجديد للشركة يوضع على المحك لأول مرة مع إعادة تشغيل مصنع الشركة بانتظام.
وقد عقد منذ أيام لقاء إيجابي مثمر بين وزير التنمية الحيوانيّة والفريق الإداري للشركة بحضور السلطات الإدارية بالولاية لرصد الصعوبات التنظيمية التي تعرفها الشركة، والاتفاق على تحديد الاختصاص بشأنها، وينتظر جميع الشركاء من ذلك اللقاء أن يكون له ما بعده؛ بإذن الله.

د) محور الاستدامة المتعلق بنظام التصنيع:
من أجل استدامة نشاط الشركة، لا بد من تعدد الأنظمة الفنية المرتبطة بالتصنيع، بحيث يوجد بديل لكل نظام فني عند تعطله، وفي مقدمة ذلك:
- ماكينة ثانية لتعليب الحليب طويل المدة؛
- ماكينة ثانية لتعليب الحليب قصير المدة؛
- خط ثان للبسترة.
- مولد ثان لإنتاج الكهرباء؛
- مولد ثان لإنتاج البخار؛
- مولد ثان  لإنتاج الماء المثلج؛
- مولد ثان لإنتاج الهواء المضغوط؛ 
- مكونات مضاعفة في نظام التزود بالماء؛
- تعدد الأنظمة الفنية في مراكز التجميع.
ولا بد كذلك من تنفيذ الإصلاح أو الاستبدال المبرمج لنظم معالجة المياه المستخدمة في المصنع ومراكز التجميع.
وتمثل التدابير المذكورة هنا جزءا من البرنامج الاستثماري للشركة، المعد تأسيسا على مخرجات الدراسة الفنية التي أعدها مكتب ذي خبرة دولية والمذكورة آنفا، والذي تؤكد أهميته واستعجاله النسبي الصعوبات التي شهدتها برمجة خدمات الصيانة مع  الموردين الدوليين في الأشهر الأخيرة.

والله الموفق لما فيه خير البلاد والعباد.

#قناة_المرابطون
#موريتانيا
#نواكشوط